|
إذا كنا
نعتبر بأن السلوكات الإجتماعية تتحدد انطلاقا من المكانة التي يحتلها
الأفراد، الجماعات والفئات داخل التنظيم الاجتماعي ،فإنه من اللازم أن نقبل
بأن المجتمع رأى فيها منفعته الخاصة، وتقوية لاندماجه ونشاطه.هذه الفكرة
صيغت في عبارتين ملموستين: إما أننا نفكر في أن الخير والشر يتحددان بما هو
وظيفي أو لاوظيفي بالنسبة للمجتمع أي من أجل اندماجه، إذن من أجل الأخذ
بزمام سلوكات أفراده.وإما أن يفضل القول بأن المجتمع ليس نسقا بل مجموعا من
الوسائل المسيرة من قبل طبقة أو نخبة قائدة. يتعلق الأمر هنا بصيغتين
مختلفتين لما يمكن تسميته بالنزعة السوسيولوجية ، ،يفهم من هنا بأن منفعة
الكل هي التي تفرض نفسها على الأجزاء، مثلما هو حال الجسم مع الأعضاء وفق
تصور بيولوجي تقليدي. يمكن أن نتكلم أيضا عن سوسيولوجيا وظيفية نظامية وعن
سوسيولوجيا وظيفية نقدية . يتعلق الأمر، في جميع الحالات، بتوجهين هما
الأكثر أهمية في الفكر السوسيولوجي منذ نشأته.
أنا لا
أستحضرهما هنا إلا لكي أذكر بأننا إذا أردنا بناء سوسيولوجيا للفعل أو
الفاعل التي لن تكون في الواقع سوسيولوجيا للنسق، ينبغي اتباع مسار مواز
لذلك الذي قمت باستحضاره. أي إثبات أن الفاعل لا يمكن التعرف عليه مثلما
هو الحال حينما نقبل أن فعله موجه نحو تقوية ذاته،محددا هذا الأخير في
كلمات لا ترجع على أي نحو إلى النسق الإجتماعي.يوجد ، هنا أيضا مساران
سوسيولوجيان كبيران. الأول هو ذلك الذي يتمثل الفاعل الفردي أو الجماعي
كمتابع لمنفعته العقلية.إن الصورة ، الأكثر انتشارا اليوم، عن المجتمع
بوصفه مجموعة من الأسواق، تبين في الوقت نفسه أهمية وحدود هذا
المسار.يستطيع الليبراليون مثل الماركسيين اتباع استراتيجيات الفاعلين
الذين يسعون إلى تحسين منافعهم ، سواء في سياق عقلانية عامة، أو في سياق
عقلانية محدودة ، مستكشفة أكثر من قبل سوسيولوجيا التنظيمات، من هربرت
سيمون وميشيل غروزيي إلى أتباعهما . هذا الموقف يطابق في سوسيولوجيا
الفاعلين ما سميته الوظيفية النقدية من جانب سوسيولوجيا الأنساق. لأن
الطبقات أو النخب القائدة تبدو موجهة ، على الأقل في المجتمهات الحديثة،
بمصالحها، وبصفة خاصة حينما نأخذ مكاننا ضمن منظور ماركسي يضفي أهمية
مركزية للمصالح الاقتصادية وللروابط الإجتماعية للإنتاج.
إن الموقف
الذي يطابق الوظيفية النظامية والذي يتعارض إذن مباشرة معه هو ما سميته
سوسيولوجيا الذات، محددا هذه الأخيرة باعتبارها خلق الأفراد أو الجماعات
لآنفسهم بصفتهم فاعلين ، وبشكل أكثر دقة كبحث عن وحدة للتجربة والفعل
المقاوم لعدم انسجام وعدم استمرارية وضعيات محددة في نفس الوقت بتعقيد في
الوضعية الإجتماعية وبتحولاتها المتسارعة.إن الحرية الخلاقة للذات مبدأ
لااجتماعي للفعل الإجتماعي.هذا التصور له أصول بعيدة أكثر من غيره، مادام
أن كل المجتمعات التاريخية عرفت بصفة عامة وجود مبدأ غير اجتماعي فارض
نفسه على التنظيم الإجتماعي وعلى قوانينه ،نسميه القانون الإلهي، الحق
الطبيعي، الإبداع أو الهوية الثقافية.
هذه التوجهات
الأربعة للسوسيولوجيا إذن لها وجود دائم وينبغي استكشاف علاقاتها،
تكاملاتها وتعارضاتها بدل أن مطالبة أحدها وحده باحتكار التفسير.
توجد مدارس
سوسولوجية أخرى ، لكنها لا تملك نفس الأهمية المركزية، لأنها قبل كل شيء
لها كدور انتقاد أحد التوجهات الأربعة الكبرى للفكر السوسيولوجي. وهكذا فإن
: 1_النزعة التـآثرية بنت نقدا فعالا للوظيفية النسقية، 2_إن النظريات
الراديكالية للتبعية استبدلت فكرة المصلحة المهيمنة بفكرة السلطة
الإعتباطية والمدمرة التي تملكها القوى التي تحكم في المجتمع،3_ إن
النظريات السعيدة مثلت فاعلين يبحثون عن متعتهم بدلا من أن يسعوا إلى
مصلحتهم ،وأخيرا، 4_ إن فلاسفة التاريخ أحلوا فكرة الذات كإرادة فردانية
محل فكرة عن تحقق في التاريخ لمصير يمكن أن يتحدد كانتصار للروح ،للوفرة أو
لمشروع إلهي.
الفاعل ضد
النسق
إن الإثبات
الرئيس الذي ينتظم حوله حقل العلم الاجتماعي هو أن الفاعل والنسق لا
يتبادلان نفس ألمنظور ولكي نتكلم على شاكلة جورج غورفيتش - الذي يعتبر كثير
من أعماله ينتمي كذلك إلى مصدر ملهم مختلف جدا - هما على العكس من ذلك
غريبان عن بعضهما. ففكرة الحداثة نفسها يمكن أن تتحدد بانفصال النسق
والفاعل في حين أن العالم ماقبل الحديث ، العالم الديني كان يتحدد بوحدة
قوانين النسق مع إرادة الفاعل خصوصا إذا كان ثمة اعتراف بأن العالم مخلوق
من قبل إله عقلاني. إن الحداثة تثبت عكس ذلك انفصال العالم الخارجي عن
الإنسان الداخلي، العلم عن الوعي وقوانين الطبيعة عن القانون الأخلاقي. لم
توجد المجتمعات الحديثة إلا بالقياس إلى كونها طبقت مبدأ لاندماج ومراقبة
العالمين مبدأ يعد في معظم الأحيان تأكيدا على كون السياسي باعتبارها خالقا
للاجتماعي بتحديد السياسي عن طريق السيدة الشعبية والعقد الاجتماعي. هذا
الدور الإدماجي للسياسي اتخذ أشكالا مختلفة طبقا لنمط كل مجتمع.
إذا كان
صحيحا أن الإيديولوجيات من النمط الوضعي أو النفعي التي تسعى إلى توحيد
الفاعل والنسق كانت قد تنامت في كل المراحل وبالخصوص في القرن التاسع عشر،
فإن السوسيولوجيا لم تتأسس بهذا الوصف في نهاية القرن التاسع عشر إلا
بالإقرار في الوقت نفسه ، مع دوركايم، بالآثار السلبية لتحلل المعايير
وضياع الفاعلين في المجتمع الحديث ومع فيبر، عن طريق الاعتراف بدور
الاقتناعات والمعتقدات في تحول الحياة الاقتصادية. .فأن نعارض بين إرادة
القوة والأخلاق الإجتماعية مع نيتشه أو بين الرغبة والقانون مع فرويد، وكان
التفكير الذي تشكل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد عرف هذا
الانفصال وحتى هذا التعارض بين النظاميين من أجل إقامة التعارض أيضا بين
الفر دانية وفكرة الاندماج الاجتماعي فذلك لم يكن إلا لدعم مقاومة الأمم
والثقافات الملموسة ضد الكونية المجردة للحياة الاقتصادية.
في نهاية
القرن العشرين هذه ، نحن نرى بأن عولمة الاقتصاد تترافق مع ما يسميه
الأمريكيون بالسياسات الهوياتية .من يجرؤ على أن يحدد بصفة كاملة مجموعة من
الكائنات الإنسانية سواء كمجموعة متجانسة، أو كشبكة للفاعلين الاقتصاديين
العقلانيين ؟
في مرحلة ما
بعد الحرب التي هيمنت عليها المشاريع الوطنية الشاملة لإعادة البناء
والتنمية، عايشنا انتصار سوسيولوجيات النسق على سوسيولوجيات الفاعل سواء في
شكل الوظيفية البارسونية أو تحت شكل الفكر النقدي الذي أضفى عليه فوكو
الصورة الأكثر تطورا.لم يكن الإنسان يتصور إلا ككائن اجتماعي،أومو
سوسيولوجيكوس ، مدمج داخل نسق من المعايير المتمأسسة أو أنه معبأ في في
نضال طبقي أو وطني ضد هيمنة اقتصادية أو سياسية محددة. لكن منذ ربع قرن،
حققت سوسيولوجيات الفاعل انتصارها على سوسيولوجيات النسق سواء في صورة
تحليل للاختيارات العقلانية أو في صورة سوسيولوجيا للذات ، وبصفة ملموسة
أكثر فأكثر لنداء إلى حقوق الإنسان المنفصلة بصفة متزايدة عن واجبات
المواطنين.
سيكون من
الزائد عن اللزوم أن نخلص إلى القول باختفاء سوسيولوجيات النسق التي تظل
من الناحية الفكرية حاضرة بقوة بحيث أنها تشغل وضعية مهيمنة في الغالب داخل
برامج التعليم التي بدورها عادة ما تكون متأخرة عن إنتاج الافكار والتي
خضعت لتأثير كتب التوجيه الوظيفي المهيمن في الولايات المتحدة لما بعد
الحرب.والأكثر أهمية أيضا هو أن دراسة المحددات الإجتماعية، أي تفسير
السلوكات انطلاقا من المكانة التي يشغلها الفاعلون داخل التنظيم الإجتماعي
وبصفة خاصة على مختلف مراتبه الهيرارشية، تبقى ضرورية، رغم كونها تحمل عادة
أقل فأقل تفسيرا مرضيا للسلوكات الملاحظة.
بقدر ما يكون
فعل المجتمع على نفسه أكبر بقدر ما تتنامى في الوقت ذاته قدرة المجتمع
وأسياده على تحديد سلوكيات أعضاء هذا المجتمع وقدرة فاعليه على الفعل في
وضعيته بحسب تصورهم سواء حول حريتهم وكرامتهم أو عن هويتهم وعن الجماعات
التي يحس هؤلاء بالانتماء إليها .
ليس صحيحا
أننا أصبحنا متأثرين أكثر فأكثر بالمجتمع، وبصفة خاصة بالإنتاج، الاستهلاك
ووسائل الإعلام لقد حولنا شروط الإنتاج
بواسطة
مطالبنا، ومددنا حرية اختيارنا وأضعفنا أكثر فأكثر معايير المجال الاجتماعي
الذي نعيش فيه، وهو ما يسميه البعض باصطلاح ملائم، التسامح ، والبعض الآخر
بطريقة سلبية تآكلا للقيم والمعايير أو التساهل.لكن ليس من المقبول
التفكير في اعتبار التنظيم الاقتصادي، الإجتماعي والثقافي يخدم بصورة
طبيعية إرادتنا في أن نكون أحرارا ومسؤولين.
إن الإثبات
الوحيد الذي يمكن أن يحظى بالقبول من طرف الجميع هو أنه لا وجود لأي مجتمع
معاصر، مصنع أم لا،لا يشكل نسقا مندمجا ومتساوقا من القيم، المعايير، أشكال
السلطة،القوانين والأدوار، حيث لا تصنف السلوكيات الإجتماعية إلى سوية أو
باطولوجية، بالتوافق مع المعايير أو بالإنحراف عنها ، وهذا لا يعني بأن
الوعي باللامتسامح فيه لم يكن موجودا دائما بصفة متزايدة.
لكن ما وراء
هذا الرفض للنزعة الوظيفية المطلقة، يجب معالجة علاقات التكامل والصراع
بصفة مباشرة عن طريق تحليل تقوده مفاهيم الحتميات الإجتماعية وسوسيولوجيات
الفاعل.
إن النزعة
الفردانية المنهجية، التي عمقها ريمون بودون، ودراسة الإختيارات العقلانية
تحاربان مباشرة النعرة السوسيولوجية وتتوصلان عادة إلى إعادة بناء منطق
الإختيارات العقلانية المقنعة بخطاب المؤسسات والفاعلين السياسيين.لقد سار
بعض الماركسيين مثل شارل تيلي في نفس هذا الإتجاه. ومع ذلك بقي الميدان
الذي غزته هذه السوسيولوجيا محدودا، لأن التحليل السوسيولوجي أظهر بأن فكرة
المصلحة كانت في الغالب تخضع لتعريف لهوية الفاعل وخصومه، وهو تعريف لا
يرتد إلى تقوييم موضوعي للمصالح، كما سطر على ذلك أليساندرو بيزورنو.فالتصويت
يكون أقل من أجل الدفاع عن المصالح بالقياس إلى أن نكون متضامنين مع أناس"
مثلنا"، وهذا أكثر لأن من الصعب تحديد المصلحة الشخصية أو الجماعية في
مجتمع يعد فيه نسق القرار وسيرورة التغير معقدان وشاملان أكثر فأكثر
ويغطيان مجالات وأزمنة واسعة أكثر فأكثر.
|