|
لتأذنوا لي في أن أبدأ بملاحظة شخصية. حينما تقدمت، لأول
مرة، بأطروحة تعتبر من المحال أن تتخلى العلوم الإنسانية عن بعدها
الهرمنوطيقي في البحث، وأنها لا تستطيع كبت مشكلة الفهم دون أن تتشوه، كان
يجب أن أواجه نمطين من الاعتراضات:
الاعتراضات من النمط الأول تؤكد بإلحاح على أن الهرمنوطيقا
ليست شأنا ميتودولوجيا. لقد اعتبر هانز جورج غادامير بأن مشكلة الفهم تجد
أصلها في سياقات غير علمية مثل الحياة اليومية، التاريخ، والأدب أو، بصفة
عامة، في ما له صلة بالتقاليد. من هذا المنظار،سيكون للهرمينوطيقا الفلسفية
إذن كمهمة شرح سيرورات الفهم العادية،وليست هي أن تمد بصفة نسقية،وربما أن
تقدم للتذكر و إلى التحليل معطيات معينة. لقد تصور غادامير المنهج كشيء
يتعارض مع "الحقيقة"، فهذه، بالنسبة إليه، لا يمكن بلوغها إلا انطلاقا من
ممارسة للفهم تنم عن مهارة وذكاء. ، وبوصفها نشاطا، ستكون الهرمينوطيقا، في
أحسن الحالات، فنا، ولن تكون أبدا منهجا- فهي بالنسبة للعلوم ستكون قوة
هدامة تقوض كل مقاربة نسقية.النوع الثاني من الاعتراضات يرجع إلى ممثلي
التيار المهيمن على العلوم الإجتماعية الذين قدموا، بالنسبة إلى ما أتينا
على ذكره، حجاجا مكملا.يقول هؤلاء بأن مشكلة التأويل تكمن في واقعة كونه
يستند إلى الغموض. وحسبهم لن تكون هناك مشكلات خاصة يمكن أن تحل بتقنيات
عالية للبحث . هكذا، فإن موضعة إجرائية حذرة للشروط النظرية، بلغة أخرى
تفعيل الإختبارات التي تجرب صلاحية ودقة الأدوات، يجب أن يكون كافيا لإنذار
هذه التأثيرات غير المراقبة التي تأتي من التعقيد، الذي لم يخضع للتحليل
والذي يصعب التحكم فيه للغة العادية وللحياة اليومية ، اللتان بدون هذا
تتدخلان في البحث.
في الجدل الذي كان دائرا في أواسط الستينات،إما أن
الهرمنوطيقا كانت تطور بشكل مبالغ فيه كبديل فلسفي للأنطولوجيا الهيدغرية،
وإما يستهان بها كإشكال يعالج الصعوبات الملازمة للقياس.منذ هذه الحقبة
تحولت المجموعة المتألقة بشكل معقول. فالحجج الهرمنوطيقية الفلسفية كانت قد
أصبحت مقبولة على نطاق واسع.ومع ذلك، لم يتم تحديدها بمصطلحات المذهب
الفلسفي، لكن بوصفها براديغمات للبحث داخل العلوم الإجتماعية،
والأنثروبولوجيا، علم الإجتماع وعلم النفس الإجتماعي بصفة خاصة.هذا هو ما
سماه بول رابينوف
و وليام سوليفان ب"التحول التاويلي".فداخل تيار سنوات
السبعينات، كانت هناك عدة نزعات أظهرت نفسها مؤيدة لتقدم براديغم
التاويل.اسمحوا لي أن بأتطرق إليها.
كان هناك جدل كوهن – بوبر وصعود فلسفة للعلوم ما بعد
إمبريقية قوضت سلطة الوضعية المنطقية ،مخلخلة من هنا ايضا النظرة عن علم
طبيعي موحد قليلا أو كثيرا.عن هذا الجدل نتج انزلاق في تاريخ
العلوم،للبناءات المعيارية نحو مقاربات ذات حساسية للهيرمينوطيقا.
بعد لك هناك عجز التيار الذي هيمن على العلم الإجتماعي عن
الوفاء بتعهداته النظرية والعملية.لقد أخفق البحث السوسيولوجي في إرضاء
مقاييس مثل تلك التي اقترحت من طرف النظرية الشمولية لبارسونز،وكان
الإتتصاد الكنيزي غير قادر على رفع معايير سياسية فعالة، وفي علم النفس
رأت نظرية التعلم، التي كانت تستعمل ،مع ذلك، مثالا لعلم دقيق حول
السلوك.حجتها عن التفسير الكوني قد أضحت باطلة.هذه الإخفاقات المختلفة
فتحت المجال لمقاربات نظرية بديلة تأسست على الفينومينولوجيا، وعلى أخر ما
كتبه فتغنشتين عن الهرمنوطيقا وحول النظرية النقدية، إلخ.يبقى أن هذه
المقاربات باتت مفضلة فقط لأنها كانت تمنح بديلا عن الموضوعية المهيمنة،
وليس لأنها مثلت تفوقا معترفا به.
شهدنا مقاربتين عرفتا بعض النجاح تفرضان نفسيهما، وتوفران
نماذج تحدد نمطا تأويليا للعلم الاجتماعي: كان ذلك في الأنثروبولوجيا، في
اللسانيات، وبشكل أقل إقناعا في السوسيولوجيا، في البنيوية ،في سيكولوجيا
النمو، في البنيوية التكوينية ،التي تظهر، اليوم، كنموذج واعد جدا لتحليل
التطور الإجتماعي، لتطور الصور عن العالم، للأنساق الأخلاقية والأنساق
القانونية.
هناك نزعة أخرى تستحق أيضا أن تذكر، وهي أعقبت انزلاق
المحافظين الجدد الذي حدث في الزمن الفلسفي الذي تسبب في تحول الفرضيات
الخلفية لدى الباحثين في العلم الإجتماعي.فمن جهة، كانت هناك إعادة إحياء
للمقاربات ذات النزعة البيولوجية التي، بالنظر إلى أسباب سياسية، أحيطت
بالشك منذ بضعة عقود(مثلا، السوسيوبيولوجيا والهندسة الوراثية)، ومن جهة
أخرى، هناك عودة إلى النزعة النسبية،إلى التاريخانية،إلى الوجودية إلى
النيتشيات بكل أنواعها، باختصار حدث تحول مفاجئ في النمط الذي يشمل كل
الميادين من أكثرها صرامة على غرار الإبستومولوجيا واللسانيات، إلى أكثرها
نعومة، بدءا بالبحث في علم الثقافة إى غاية النقد الأدبي والإيديولوجيات
المعمارية. هاتان النزعتان تطبعان، بالفعل، نفس العرض الذي يعبر عن نفسه في
الاعتقاد الشائع في، أنه إذا كان هناك شيء ما محتملا عن الكوني في الثقافة،
فهو يوجد في طبيعة الإنسان بدلا من أن يكون في البنية التحتية العقلانية
للغة، في المعرفة أو في الفعل، وباختصار، في الثقافة نفسها.
نمطان لاستعمال اللغة :
.اسمحوا لي،أولا، أن أشرح ما أفهمه من الهرمينوطيقا.كل
تعبير ذي معنى، سواء تعلق بمنطوق ما ( فعلي أم لا)، بمنتوج صناعي مثل أداة
معينة، بمؤسسة أو بوثيقة، يمكن تحديده على مستويين : كحدث قابل للملاحظة،
لكن أيضا كدلالة مجسدة قابلة للفهم.فنحن قادرون على وصف،تفسير أو توقع صوت
معادل للنطق بجملة ملفوظة، دون أن نملك أية فكرة عن ما يدل عليه هذا
الملفوظ. يجب، من أجل فهم دلالته فهما تاما( ومن أجل صياغته)، المشاركة في
أفعال تواصلية (فعلية أو خيالية) خلالها تكون هذه الجملة نفسها استعملت
بطريقة تجعلها مفهومة بالنسبة للمتكلم،للمستمع و، ربما، بالنسبة لكل
الأعضاء الحاضرين الذين ينتمون إلى نفس الجماعة اللسانية. ويذكر ريشارد
رورتي مثالا أقصى:
حتى لو استطعنا توقع الأصوات التي سوف تتلفظ بها جماعة
الباحثين العلميين في العام 4000، لن نكون مع ذلك قادرين حتى على استيعاب
جزء من مناقشتها.
إن التعارض بين "توقع سلوكها اللغوي المستقبلي" و"استيعاب
جزء من مناقشتها" يوجه إلى التمييز الهام الذي يوجد بين نمطين مختلفين
للاستعمال اللغوي.
إما أننا نقول ما هو فعلي، أو ما ليس كذلك، وإما أننا نقول
شيئا ما لأحد بشكل يجعله يفهم ما قيل. وحده النمط الثاني يرتبط، بصورة
داخلية أو مفاهيمية، بشروط المناقشة. أن نقول الأشياء كما هي شيء لا يستند
بالضرورة إلى تواصل ما، فعلي أو خيالي.فليس المطلوب هو إنتاج ملفوظ ما، ولا
إنجاز فعل من أفعال الكلام، يمكن ، بالفعل، أن نكتفي بأن نقول لأنفسنا "ب"،
أو أن نفكر، ببساطة، في "أن ب". على عكس ذلك، لفهم ما قيل، من المطلوب
المشاركة في فعل تواصلي.فحينما يعبر المتكلم، الذي يتواصل مع مستمع بخصوص
شيء ما، عن ما يريد قوله، هناك بالضرورة وضعية كلام فعلي أو، على الأقل،
متخيل. بينما في حالة الاستعمال المعرفي وليس التواصلي للغة، ليست هناك سوى
علاقة أساسية مفروضة،سنسمي هذه العلاقة بين الجمل وشيء ما يوجد في
العالم،علاقة " بخصوص شيء". على خلاف ذلك،إذا كانت اللغة مستعملة بغرض
الاتفاق بشكل توافقي مع أحد آخر(حتى ولو كان ذلك من أجل التأكد، في خاتمة
المطاف، من عدم التوفق)، ففي هذه الحالة تظهر ثلاث علاقات أساسية.بإعطاء
صيغة لرأيه، يتواصل المتكلم مع عضو آخر من جماعته اللسانية، بخصوص شيء ما
موجود في العالم.إن هذه العلاقة الأخيرة بين اللغة والواقع، و بها فقط،
انشغلت الإبستمولوجيا،وبالمقابل فإن الهرمنوطيقا لها،أن تتكفل بصورة
متزامنة بالعلاقة الثلاثية التي تكمن في الملفوظات :أ- كتعبير عن مقصد
متكلم معين، ب- كتعبير بغرض إنشاء علاقة بين-شخصية بين متكلم ومستمع،ج-
كتعبير بخصوص شيء ما موجود في العالم. وفضلا عن ذلك،فإن المجهود المبذول من
أجل شرح دلالة تعبير ما يضعنا أمام علاقة رابعة، بين-لغوية أو لسانية، توجد
بين عبارة معطاة و عدد هائل من العبارات الممكنة التي يمكن أن تكون موجودة
في اللسان نفسه.
تلاحظ الهرمنوطيقا،إذا جاز القول، اللغة في عمله، أي كما هي
مستعملة من طرف المشاركين من أجل التوصل إلى الفهم المشترك لشيء ما، أو
لبلوغ نفس الطريقة في رؤية الأشياء.بينما ، لا يجب على الاستعارة البصرية
للملاحظ أن " ترى "شيئا ما ينغمر في الظل.إن واقعة كون اللغة المستعملة على
مستوى الأداء ملائمة في علاقات أكثر تعقيدا منعلاقة ا "بخصوص شيء( والمقاصد
التي تلازمها). فحينما يقول المتكلم شيئا يخرج عن السياق اليومي، فهو يرجع
ليس فقط إلى شيء يوجد في العالم الموضوعي( بوصفه يشكل كلية ما هو فعلي أو
بإمكانه أن يكون كذلك)، لكن أيضا، في الوقت نفسه، إلى شيء يوجد في العالم
الإجتماعي( باعتباره كلية العلاقات البين-شخصية المؤسسة بصفة شرعية)، وإلى
شيء يوجد في العالم الخاص الذاتي للمتكلم( ككلية التجارب الذاتية، القابلة
للتمظهر،التي يملك المتكلم امتياز تحصيلها).
بهذه الطريقة تقدم الشبكة الثلاثية، التي توجد بين الملفوظ
والعالم، نفسها بكونها مقاصد مستقيمة، بلغة أخرى
انطلاقا من آفاق المتكلم (والمستمع).نفس الشبكة يمكن
تحليلها باعتبارها تحتوي على مقاصد منحرفة)،أي إما انطلاقا ن العالم
المعيش، وإما انطلاقا من الخلفيات التي توجد وراء الإفتراضات والممارسات
المشترقة والمتقاسمة التي ينخرط لزوما ، منذ البداية، ضمنها، كل تواصل
خصوصي. من هذه الوجهة من النظر، تملأ اللغة ثلاث وظائف:أ- تلك المتعلقة
بإعادة الإنتاج الثقافي وإما أنها تتعلق بتحديث التقاليد( في هذا الأفق طور
غادامير هرمنيطيقيته الفلسفية)،ب- تلك المرتبطة بالاندماج الاجتماعي،وإما
أنها ترتبط بالتنسيق بين مختلف التصاميم المقدمة من طرف مختلف الفاعلين في
التفاعل الاجتماعي.(وفي هذا الأفق طورت نظرية حول النشاط التواصلي)،ج-تلك
التي تتصل بالتنشئة الإجتماعية،أو بالتأويل الثقافي للحاجات( في هذا الفق
طورج.ه. ميد سيكولوجيته الإجتماعية. )
هكذا ،وفي الوقت الذي يتطلب الاستعمال المعرفي وليس
التواصلي للغة توضيح العلاقة التي توجد بين ما نقوله عن الأشياء والأشياء
كما تظهر نفسها( سواء تم ذلك بمصطلحات القصدية، المواقف الإقتراحية، ذات
الميول إلى التكيف أو بشروط الإرضاء)، يضعنا الاستعمال التواصلي أمام ما
يتبقى علينا فهمه حول كيف أن هذه العلاقة مرتبطة بالعلاقات الأخرى التي
تكمن في "كينونة العبارة حول شيء ما" و"مشاطرة شيء ما مع أحد معين".كما
بينت ذلك في مقام آخر،فإن هذه المشكلة يمكن تحليلها بواسطة مصطلحات العوالم
الأنطولوجية والديونطولوجية، شروط الصلاحية، واتخاذ مواقف بنعم أو لا،
وبالشروط السابقة عن التوافق العقلاني الممتع.
نستطبع إذن أن نرى، الآن، لماذا يستند" قول شيء ما لأحد" و"
فهم ما قيل" إلى افتراضات قبلية أكثر تعقيدا وذات متطلبات أكبر من مجرد"
قول ما هو فعلي"( أو التفكير فيه).فمن يلاحظ أو يفكر في "ب" أو من له القصد
في أن يثير أو يكون السبب في "ب"، يتبنى موقفا مجسدا حيال شيء يوجد في
العالم الموضوعي.ومن يشارك- على عكس ذلك- في سيرورات التواصل قائلا شيئا ما
وبفهم لما قيل، سواء كان رأيا تم التبليغ عنه، ملاحظة منجزة، وعدا أو أمرا
تمت صياغتهما، أو أيضا كان وجهات نظر، متمنيات، مشاعر أو أمزجة تم التعبير
عنها، فهو ينبغي عليه أن يتبنى موقفا أدائيا.إن هذا الموقف هو الذي يجعل
التبادلات ممكنة بين ضمير الغائب(موقف موضوعي)،ضمير المخاطب (موقف منسجم مع
قواعد معينة)، و ضمير المتكلم( موقف تعبيري).إذ يتيح الموقف الأدائي توجيها
مشتركا إلى شروط الصلاحية( مثل الحقيقة،الصحة المعيارية والصدق) التي تصدر
عن المرسل بمخاصمة موقف يتخذه المستمع بنعم أو لا. هذه الشروط تعلن تقويما
نقديا على غرار الإعتراف البين-ذاتي، المفترض من قبل كل شرط خاص، و هو يمكن
أن ينفع قاعدة لتوافق عقلاني يخضع لدافع ما.بتبني الموقف الأدائي يكون
المتكلم والمستمع مشاركان، في الوقت نفسه، في الوظائف التي تملأها الأفعال
التواصلية بغاية إعادة إنتاج العالم المعاش الذي يشتركان في امتلاكه.
تأويل وموضوعية الفهم :
إذا قارنا بين موقف ضمير الغائب الذي يتبناه أولئك الذين
يسعون قول الأشياء كما هي( وهو، من بين مواقف أخرى،موقف العلماء)، مع
الموقف الأدائي الذي يتبناه أولئك الذين يبحثون عن فهم ما نقوله لهم( وهو،
من بين مواقف أخرى، موقف المؤولين)،فإننا نتبين بعد ذلك بروز النتائج
الميطودولوجية التي يفرضها البعد الهرمنوطيقي للبحث.اسمحوا لي بأن أثير
انتباهكم إلى ثلاثة انعكاسات هي الأكثر اهمية للعملية الهرمنوطيقية.
أولا، يعلن المؤولون التفوق المكرس للوضعية ذات الإمتياز
للملاحظ ما داموا متورطين بصفة شخصية في( وعلى الأقل افتراضية) في
المناقشات المتعلقة بمعنى وصلاحية الملفوظات.فعن طريق المشاركة في أفعال
تواصلية، يقبلون،مبدئيا، قانونا مطابقا لذلك الذي يوجد لدى الأشخاص الذين
يريدون فهم ملفوظاتهم.وبالتالي فهم يكفون عن أن يظلوا " محصنين" ضد المواقف
المتخذة بنعم أو لا المتبناة من طرف الذوات التي تتوفر على التجربة أو من
طرف العلمانيين، من أجل الانخراط في سيرورة نقد متبادل.أما في إطار سيرورة
اللاتفاهم –الإفتراضي أو الفعلي- ، ليس هناك ما يسمح لأحد في أن يقرر بصفة
قبلية من يجب أن يتعلم من الآخر.
ثانيا، بتبني موقف أدائي، يترك المؤولون ليس فقط وضعية
التفوق حيال مجال استقصائهم، فهم، فضلا عن ذلك، في مواجهة سؤال معرفة كيف
يتجاوزون تبعية تأويلهم بالنسبة للسياق.إنهم لا يستطيعون ،مقدما، أن يكونوا
متيقنين من أنهم يقتسمون مع الذوات التي دخلت إلى التجربة نفس الفرضيات
والممارسات التي تنطوي على نفس الخلفية.إن الفهم القبلي الذي يمكن أن يتوفر
عليه المؤول،إجمالا، للوضعية الهرمنوطيقية، لايمكن التحقق منه إلا جزءا
جزءا ، ولا يمكن أن يكون موضع سؤال بوصفه كلا.
ثالثا، كون اللغة اليومية تفهم ملفوظات غير وصفية وشروط
صلاحية غير معرفية ، أمر يثبت على قدم المساواة إشكال ما يخرج عن فك ارتباط
المؤول، في أسئلة الصلاحية، وعن خروج التأويلات عن السياق. في الحياة
اليومية،كثيرا ما نكون على اتفاق أو على غير لتفاق حول صحة أفعال أو
معايير، حول كفاية التقويمات والنماذج، حول صحة أو صدق صورة عن الذات، وحول
حقيقة القضايا.
هذا هو السبب الذي
يجعل المعرفة التي نستعملها لكي نقول شيئا ما لأحد ما تشمل أشياء غير
المعرفة المقترحة بصرامة( أو المرتبطة بالحقيقة بشكل صارم). لفهم ما قيل
لهم،يجب على المؤولين استيعاب معرفة، تشكل أساسا لشروط صلاحية ذات انتشار
أوسع، استيعابا تاما.لذلك فإن تأويلا صحيحا لا يكون صحيحا كما تكون قضية ما
تقرر حالة شيء موجود.ينبغي القول بالأحرى بأنه يتطابق مع دلالة تأويل يجب
على المؤولين القبض عليها، أو أيضا، يتناسب معها،سواء كان يتطابق معها أو
أنه يفسرها.
هذه هي النتائج
الثلاث التي تترتب عن واقعة كون" فهم ما قيل"يفرض المشاركة وليس فقط
الملاحظة.لا يمكن إذن أن نفاجأ من أن كل محاولة من أجل تأسيس العلم على
التأويل إلا وتواجه بعض الصعوبات. وهكذا، فإن المشكلة التي تكمن في السعي
إلى قياس معتمد موثوق به بالنسبة للعبارات الرمزية، كما بالنسبة للظواهر
الفيزيائية يشكل عائقا كبيرا.في أواسط الستينات، قدم آرون سيكوريل تحليلا
جيدا للمشكلة التي تتمثل في تحويل عبارات رمزية مرهونة بالسياق، إلى معطيات
"صلبة".تنجم الصعوبات من كون ما تم فهمه تجدر ترجمته بشكل نستطيع معه أن
نرجعه إلى وجهة نظر ضمير الغائب.يسمح الموقف الأدائي، وهو يعد ضروريا
للتأويل بانتقالات منتظمة بين مواقف الضمير الشخصي المتكلم وضمير المخاطب
والغائب، لكن، حينما يتعلق الأمر بالقياس، يجب على الموقف الأدائي أن يخضع
إلى موقف واحد : هو الموقف الموضوعي.وهناك مشكلة أخرى، هامة أيضا، هي تلك
التي ترتبك باحترام أحكام القيمة في الخطاب المنجز حول الحوادث. في هذه
الحالة، تنتج الصعوبات عما ينبغي ربطه مفهوميا في الإطار النظري، الضروري
للتحليل الإمبريقي للسلوك اليومي، بالإطار المرجعي، المستعمل من طرف
المشاركين أنفسهم في تأويلاتهم اليومية. في حين أن هذه الأخيرة ترتبط
بشروط معرفية وغير معرفية للصلاحية، مادامت القضايا النظرية لا توجه إلا
إلى الحقيقة. بهذا الخصوص، قدم شارل طايلور وألفان غولدنير حججا مقنعة
للطعن في إمكان وجود لغات أكسيولوجية محايدة في مجال العلوم الإجتماعية
التفهمية.هذا هو الموقف الذي تدعمه المدارس الفلسفية المختلفة كليا، التي
تستعير حججها من فتغنشتاين ، و، بشكل طبيعي من ماركس.
لنقل، في كلمة
واحدة، كل علم يقبل بأن موضوعية المعاني تشكل جزءا من المجال الذي يبحث
فيه، لايمكنه أن يتجاهل، على المستوى الميتودولوجي، النتائج التي يفرضها
دور المؤول الذي، لا"يعطي" ،يقينا، معنى الأشياء الملاحظة،وإنما يشرح
المعنى"المعطى" للتجسيدات التي لا يمكن أن تفهم إلا انطلاقا من سيرورة
التواصل. هذا الدور هو دور المشارك، والنتائج الميتودولوجية التي يفرضها
تشكل تهديدا مباشرا تجاه كل استقلال حقيقي عن السياق وحيال الحياد
الأكسيولوجي،وهما معا، في الظاهر، الشروط الضرورية لموضوعية المعرفة
النظرية.
هل يجب أن نستنتج
بأن موقف غادامير كان يجب أن يكون مقبولا داخل العلوم الإنسانية ومن أجلها؟
هل يدل التحول التأويلي على أن أية مقاربة غير موضوعية، لايمكنها، من الآن
فصاعدا، بلوغ وضعية العلم الدقيق؟ هل ينبغي التمسك بتوصية رورتي التي تدافع
عن وضع، ليس فقط العلوم الإجتماعية وعلوم الروح،بل أيضا النقد الأدبي،
الشعر والدين،والمناقشة العالمة بوجه عام، على قدم المساواة؟هل يجب أن نقبل
بكون العلوم الإجتماعية لا تساهم، في أحسن الحالات، إلا في بناء شخصيتنا،
بأن نفترض مع ذلك عدم استبدالها بأي شيء آخر أكثر جدية، من نوع
الفيزيولوجيا العصبية أو البيوكيمياء؟ بالنسبة لهذه الأسئلة، ألاحظ، لدى
الباحثين في العلوم الإجتماعية، ثلاثة أنماط من ردود الأفعال.إذا أخذنا
شروط موضوعية القدرة التفسيرية معزولة عن بعضها البعض، يمكننا تمييز
"النزعة الموضوعية الهرمنوطيقية" عن "الهرمنوطيقا الراديكالية" وعن"نزعة
بنائية هرمنوطيقية جديدة".
بعض الباحثين
يستصغرون النتائج الأكثر درامية لمشكلة التأويل، ويعودون إلى نوع من نظرية
حول الفهم مؤسسة على التعاطف.هذه النظرية تستند إلى افتراض بموجبه يمكننا
أن ننفذ إلى ذهن شخص آخر وفك اقتران معنى ما يقوله عن وضعيتنا الهرمنوطيقية
الخاصة.بعد نقد نظرية التعاطف للشاب دلتي، الذي قام به غادامير بطريقة
مقنعة تماما، يبدو لي هذا المخرج مرفوضا.
لهذا السبب لم
يتردد بعض الباحثين الآخرين طويلا في توسيع مبادئ هرمنوطيقا راديكالية،
سواء على قواعد غاداميرية أو رورتية، في الميدان الذي، منذ زمن معين، ادعت
العلوم الإنسانية ، عن غير قصد، وهي مخطئة حسبهم، بأنه ميدانها الخاص.هؤلاء
الباحثون تركوا، في كل الأحوال، في الوقت نفسه شرط الموضوعية وادعاء بلوغ
معرفة تفسيرية،سواء مع بعض الارتباك أو،، على عكس ذلك، مع شيء من
الأمل.نتجت عن ذلك نزعة نسبية،تعود، كيفما كان شكلها، إلى القول بأن تعدد
المقاربات المختلفة يعكس فقط توجهات أكسيولوجية متنوعة.
أخيرا،البعض الآخر،كان في المقابل مستعدا،
أمام مشكلة التأوييل، لعدم الإكتراث بالمسلمة المتواضع عليها حول الحياد
الأكسيولوجي، والتخلي عن ربط العلوم الإنسانية بنموذج العلم الطبيعي
الخالص، في حين كان يقبل، في الآن ذاته،بأن المقاربات التي تعد بإنتاج
معرفة موضوعية وعلمية
في
آن،ممكنة و مرغوب فيها. إن موقفا كهذا في يحتاج إلى إثبات.
---------------------------
- من كتاب: "الأخلاق و التواصل"
|